اسماعيل بن محمد القونوي
237
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كافِرٍ بِهِ راجع إلى ما معكم لا إلى القرآن ولا إلى الرسول عليه السّلام كما هو المتبادر ومنشأ السؤال فلا إشكال في كونهم أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ أي بما معهم وهو التورية أو هي والإنجيل إذ ما معهم لم يكن مع المشركين حتى يسبقوهم في كفره إذ المراد ليس المعية الزمانية بل المعية بحسب الاعتقاد والعمل ولو سلمت المعية الزمانية فلا يضر إذ التورية مختصة ببني إسرائيل وأجاب رابعا بقوله أو مثل من كفر بتقدير المضاف أو الحمل على التشبيه البليغ والحاصل أن منشأ الإشكال أمور أربعة فأجاب بمنع كل واحد على الترتيب أقوى الجواب الأقدم فالأقدم واللّه تعالى أعلم وبيان رجحان الأجوبة بعضها على بعض مفوض إلى نظرك الثاقب فمن نظر إلى بيانه أولا ظن أن الجواب هو الأول حيث اكتفى بالتعريض تنبيها على متانته وبلاغته البارعة وما عداه احتمال يلتفت إليه حين اكتفى بأصل الفصاحة والبلاغة فلا إشكال بأنه حكم أولا بالتعريض وحده ثم عدل عنه إلى نكتة أخرى فلا ينتظم آخر كلامه بأوله ثم المراد بكفر ما معهم الكفر اللازم « 1 » من كفر القرآن دون الكفر قصدا ولزوم الكفر إذا كان معلوما كالتزام الكفر وإلى ذلك أشار بقوله فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه لأن كفر القرآن إنكار كونه « 2 » من عند اللّه وهو يستلزم إنكار الأحكام التي فيه ومن جملتها الأحكام التي يوافق القرآن فيها التورية وإنكار القصص والمواعظ وأيضا حقية القرآن مذكورة في التورية فإذا أنكروا حقيته وكونه من عند اللّه فقد كذبوا التورية في إخبار حقيته والتكذيب ببعض كفر بالكل وهذا هو الملائم لما ذكر في بيان كونه مصدقا أو لا والأول يناسب لما ذكره ثانيا فاندفع ما قاله النحرير التفتازاني إنما يتم هذا لو كان كفرهم به أنه كذب كله وأما إذا كفروا بكونه كلام اللّه تعالى واعتقدوا أن فيه الصادق والكاذب فلا انتهى وجه الاندفاع هو أنه لما كفروا بكونه كلام اللّه تعالى كفروا بالتوراة التي أخبرت بأنه سينزل القرآن على وصف كذا على نبي نعته كذا على أنه إذا اعتقدوا أن فيه الصادق والكاذب فقد اعتقدوا أنه كذب كله لما عرفت أن الإيمان بالبعض دون بعض كفر حقا قال تعالى ويقولون الصادق والكاذب فقد اعتقدوا أنه كذب كله لما عرفت أن الإيمان بالبعض دون بعض كفر حقا قال تعالى : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 151 ] الآية ولا فرق بين كفر الكتب والرسل . قوله : من وأل هو وال إلى المكان أي التجى به واكتنف أو من وأل منه أي خلص ونجا منه . قوله : أو أول فيكون من أول بمعنى الرجوع وقلبت همزته واوا فيه أيضا على خلاف القياس لأن القلب قياسا إنما هو فيما إذا سكنت الهمزة وضم ما قبلها نحو أو من ونحوه .
--> ( 1 ) وقيل إن المشركين ليسوا كافرين بالتورية وإن لزمهم الكفر بها من الكفر بالقرآن لأنهم غير ملتزمين لكفرها واللزوم غير معلوم لكونهم أميين جاهلين بالتورية رأسا ومثل هذا اللزوم لا يعد كفرا وأما اليهود فلكونهم عاملين بالتورية وعالمين بها فلزوم الكفر معلوم لهم وهو كفر كالتزام الكفر كفر . ( 2 ) أي من كفر بالقرآن كفر بما يصدق القرآن إياه وهو الأفق لقوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أو كفر بما يصدق القرآن وهو التورية فإن التورية أيضا مصدق للقرآن لكن لا يناسب قوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ظاهرا .